ابن عجيبة
577
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم احتالوا على أبيهم في إرسال يوسف معهم ، كما قال تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 11 إلى 14 ] قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ ( 11 ) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 12 ) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ( 13 ) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ ( 14 ) قلت : ( تأمننا ) : اجتمع نونان ، فيجوز الإدغام ، وبه قرأ أبو جعفر ، وقرأ الجماعة بالإشمام . وقوله : ( يرتع ويلعب ) : جواب الأمر ، فمن قرأ بكسر العين فجزمه بحذف الياء ، وهو من رعى الإبل ، ومن قرأ بالإسكان فهو من الرتع ، وهي الإقامة في الخصب والتنعم ، والتاء على هذا أصلية . ووزن الفعل : يفعل ، ووزنه على الأول يفتعل ، قال ابن عطية : فيرتع على قراءة نافع من رعى الإبل ، أي : يتدرب في رعى الإبل وحفظ المال . قال أبو علي : وقراءة ابن كثير : ( نرتع ) بالنون ( ويلعب ) بالياء ، فنزعها حسن ؛ لإسناد النظر في المال والرعاية إليهم ، واللعب إلى يوسف لصباه ، وقرأ أبو عمر وابن عامر : ( نرتع ونلعب ) ؛ بالنون فيهما ، وإسكان العين والباء ، من الرتوع ، وهو : الإقامة في الخصب والمرعى في أكل وشرب ، وقرأ عاصم والأخوان : ( يرتع ويلعب ) بإسناد ذلك كله إلى يوسف . ه . قلت : وكذا قرأ نافع ، غير أنه يكسر العين وهم يسكنون . ( ونحن عصبة ) : حال ، والرابط الواو ، والعصبة : الجماعة من العشرة إلى فوق . يقول الحق جل جلاله : قال إخوة يوسف لأبيهم : يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ أي : لم تخافنا عليه ؟ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ نشفق عليه ، ونريد له الخير . أرادوا أن يستنزلوه عن رأيه في حفظه منهم لما تنسم من حسدهم . قلت : قد نصحوه في الحقيقة حيث تسببوا في ملكه وعزه . روى أنهم لما قالوا له : ( مالك . . . . ) إلخ ، اهتزت أركانه ، واصفر لونه ، واصطكت أسنانه ، وتحركت جوانبه ، كأنه علم بما في قلوبهم بالفراسة . ثم قالوا : أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ : يتسع في أكل الفواكه ونحوها . أو يتعلم الرعاية ، وَيَلْعَبْ بالاستباق والإنتضال ، وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ أن يناله مكروه . قالَ يعقوب : إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ لشدة مفارقته علىّ ، وقلة صبري عنه ، وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ : لاشتغالكم بالرتع واللعب ، أو لقلة اهتمامكم به ، وإنما خاف عليه من الذيب ؛